السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

34

مختصر الميزان في تفسير القرآن

فتبيّن : ان السبيل إلى اللّه سبيلان : سبيل قريب وهو سبيل المؤمنين وسبيل بعيد وهو سبيل غيرهم فهذا نحو اختلاف في السبيل وهناك نحو آخر من الاختلاف ، قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ ( الأعراف / 40 ) . ولولا طروق من متطرق لم يكن للباب معنى فهناك طريق من السفل إلى العلو ، وقال تعالى : وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى ( طه / 81 ) . والهوي هو السقوط إلى أسفل ، فهناك طريق آخر آخذ في السفالة والانحدار ، وقال تعالى : وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ ( البقرة / 108 ) . فعرّف الضلال عن سواء السبيل بالشرك لمكان قوله : فَقَدْ ضَلَّ ، وعند ذلك تقسم الناس في طرقهم ثلاثة أقسام : من طريقه إلى فوق وهم الذين يؤمنون بآيات اللّه ولا يستكبرون عن عبادته ، ومن طريقه إلى السفل وهم المغضوب عليهم ، ومن ضل الطريق وهو حيران فيه وهم الضالون ، وربما اشعر بهذا التقسيم قوله تعالى : صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ . والصراط المستقيم لا محالة ليس هو الطريقين الآخرين من الطرق الثلث اعني : طريق المغضوب عليهم وطريق الضالين فهو من الطريق الأول الذي هو طريق المؤمنين غير المستكبرين إلا أن قوله تعالى : يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ ( المجادلة / 11 ) . يدل على أن نفس الطريق الأول أيضا يقع فيه انقسام . وبيانه : ان كل ضلال فهو شرك كالعكس على ما عرفت من قوله تعالى : وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ ( البقرة / 108 ) . وفي هذا المعنى قوله تعالى : أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً ( يس / 62 ) . والقرآن بعد الشرك ظلما وبالعكس ، كما يدل عليه قوله تعالى : حكاية عن الشيطان لما قضي الأمر : إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( إبراهيم / 22 ) . كما يعد الظلم ضلالا في قوله تعالى : الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ